مُدوّنة مدى العقل » أرشيف » تُحبُّني؟.. أَحِبَّ الغُراب الذي فوقَ بيتي. (爱屋及乌)


” روابطي “

” ‎كُنّاشة آماد “

” المُدوّنة الصّينية “

” ما سلف “



بحث

" الواقفون على أرضي "


SPEEDCOUNTER.NET - Kostenloser Counter!

تُحبُّني؟.. أَحِبَّ الغُراب الذي فوقَ بيتي. (爱屋及乌)

11 يناير, 2013 كتبته مدى العقل

في الفترة التي بين 1046 – 1600 قبل الميلاد, تتابع واحدٌ وثلاثون ملكاً من سلالة قبيلة شانغ على حكم شمال الصين, بدأها تانغ غائراً وثائراً على ظلم من سبقه من الملوك, ومُبدداً لظلام عهده, وقسوة طبعه, وجفاء معشره, فأقام العدل, وأشعل قنديل الحق, ضارباً به وجه الباطل, فقسّم الخيرات بين الناس, وتنفسوا هواء الحرية, وغنموا وإيّاه ثمارها حضارةً ومجداً..

فتعاقب على أهل الشمال من الملوك من بدّل وغيّر, وكذلك يفعلُ ملك العضوض بالناس من قديم العهد وسالف الزمن, حتى انتهى بهم المطاف بالملك جو , وهو من الملوك الذين إذا دخلوا قرية أفسدوها, فاستحالت أوضاع الناس من سيء إلى أسوأ, فاُضطهد الناس, وبدّل القوانين, وابتكر من وسائل التعذيب ما ألهمته إياه شياطينه, وقرّب إليه من سلالته من يرى فيه خيراً له وحفظاً لمجده, وأقصى منهم من ظنّ فيه غير ذلك, فتغلغل بغضه بين العامة والخاصة, من النبلاء والبسطاء.

وفي يوم من الأيام؛ وقع اختياره على جي تشانغ, فعيّنه وزيراً لهُ, وقلّده من المهام ما يُصرّف به الكثير من صروف الدولة وشؤون الناس, وتفرّغ لطيشه ومجونه, وترفه بالنساء وشغفه, وتمادى بطيشه وبطشه, وسار على عماه طاغياً ومتكبراً, إلا أنّ جي تشانغ كان يُبطن في داخله رجلاً نبيلاً, يسكن في قلبه حب الخير والرأفة بالناس, وفي عقله من الذكاء والفطنة ما جعله يُخفي اختلافه البيّن, ونمطه القيّم عن الملك جو, فتقرب إليه حتى كسب ثقته, فقلّده منصب الوزير وغضّ الطرف عنه وغفل.

تبدّلت أوضاع الناس, وتغيرت ملامح الحياة في عيونهم, فاستنشقوا عليل العدالة بعد طول غياب, وأحبّوا جي تشانغ, والتفوا حوله بين طالبِ حق, ورافعِ شكاية, ومؤيدٍ ومُحب.

فوشى بهِ أحد شِرار النُبلاء عند الملك جو غيرةً وحسداً, وأقضّ مضجعه بتخويفه من ضياع مجده, وسرقة كرسيّه, وتبديد تاريخ سُلالته, لأنّ النّاس إذا أخذُوا حقُوقهم, وعُومِلُوا بإنسانيتهم عادوا إلى فطرتهم, فاستقووا بحقهم, ونبذُوا ظالمهم, فجُنّ جنُون الملك, وصرخ بأوامره في وجوه جُنده وعبيده, فهرعُوا إلى الوزير جي تشانغ يسحبُونه على وجهه كما تُسحب الشاة, ويُلقونه بين يدي الملك, ليُخبره بأنه قد خان ثقة الملك, وعبث بأمانته, وأفسد البلاد, ولم يكن عند حسن الظن, فحكمةُ من الملك وإيثاراً للمصلحة العُليا, فإنه سيأمُر جنده بحبسه حتى ينظر في شأنه.

إلا أنّ حقد الملك جو على وزيره السابق كان جِدُّ عظيم, لا يشفيه حبسه ولا يرويه, سيما حين سمعَ عن حزن الناس لمآله وفرقهم أسىً عليه, فاستشاط غضباً, ورأى أنهُ لا شيء يُرضيه إلا أن يُوغِلَ في الانتقام منه, فأمر بقتل ابنه الأكبر, وتقطيع لحمه إلى قطعٍ صغيرة, وطهيها في حساءٍ غليظة, وتقديمها إلى جي تشانغ, ليجعلهُ يقاوم جوعه الشديد بارتشاف حساء فلذة كبده والتهام لحمه!

فلمّا تسللت تلك الحادثة البشعة إلى طُرقات المدينة, وسمعتها الآذان, استنكرتها النفوس الزكيّة, واستقبحتها الأرواح النقيّة, وشجبها أصحابُ الفِطَر السليمة, وقام في النّاس وو ابن جي تشانغ الآخر, مخاطباً فيهم انسانيتهم, ومُستنهضاً هممهم, وداعياً فيهم دعوة الحق, فاستجابوا لهُ, وثاروا تحت امرته, يضربون سيوف الباطل بأيدي الحق, ويفلقون ظلام الطغيان بنور العدالة, حتى أطاحوا بجو شانغ, وكسّروا أصنام عظمته وجبروته, وقيّدوا رجاله, وساقوهم إلى الزنازين زرافاتٍ وأفراداً.

لم يتكىء الملك وو على كرسيّ عرشه, فقد أشغلهُ أمر رجال جو ووزراءه وأعوانه, تتجاذبهُ الحيرة, بين أن يُطلقهم أحراراً في أرضهم وبين أهليهم, أو أن يأخُذهُم بذنبِ سيّدهم جو, فآثر أن يبحث ويستشير وألا يتصدر الأمر لوحده خشية أن تأخذهُ غلبةُ الانتقام, فعاد إلى أخيه الأصغر منه عمراً والأكثرُ حكمةً, والأحدُّ بصراً, والأنفذُ بصيرة جو غونغ, وإلى الرجل الحكيم جيانغ تاي غونغ, فشرعَ الحكيم قائلاً: “لقد سمعتُ من يقول إذا كُنتَ تُحِبُ شخصاً ما ، فيجب عليك أن تُحِب الغُراب الذي يعيش على سطح منزله، وإذا كنت تكرهُ شخصٌ ما، فيجب عليك أن تكره عائلتهُ والنّاس من حوله، وأمّا فيما سألتني بشأنهم من رجال الهالك جو, فإنهم عصابةٌ من الأشرار والعبيد لشهواتهم, ويجب ألا تُبقي منهم أحداً إلا قتلته, فكان عظةً وعبرةً لمن يسمعُ ويرى”.

ثمّ أذِنَ الملك وو للحكيم بالانصراف, والتفت على أخيه يطلب رأيه, فقال له: لقد قامت هذه الثورة تحت شعارِ الحق والعدالةِ المُطلقة, بعيدةً عن درنِ الحقد والانتقام, ولذلك انتصرت يدُ البُسطاء من المُظلومين في وجه سيُوف الطُغاة القاطعة, فلا تُلطّخنّ نقاء ثورة المُستضعفين بظُلمِ الأبرياء ممّن كانوا تحت إمرة الهالك جو, لابد أن تمنحهم فُرصةً أُخرى ليُكفروا عن خطيئتهم في عبودية الظالم, وينخرطُوا مع النّاس ويمشُوا معهم في درُوب الحياة, بهذه الطريقة فقط تستطيع أن تُشعر الناس بأنّك تحبهم بصدق, وعندها ستجني من محبتهم أضعافاً مُضاعفة, وستقطع دابر الحروب وتناسل الظلم, وسنجني جميعاً استقراراً وأمناً ورخاءً على أرضنا تحت مظلة العدالة.

جلس الملك وو وحيداً يتأمّل ما سمع من مشورات, فوجد بأنّ كلام أخيه قد حرّك قناعةً كامنة في نفسه, وأثارَ عاطفة خيرٍ تجيشُ في خاطره, تبعثُ في روحهِ حُب التسامح والجنوح إلى السّلام, ورأى بأنّ رأي الحكيم سيدفعهُ إلى قتل الكثير من الرجال, حتى تستمرىء نفسه القتل, وتتلطّخ يده بدماء المذنبين والأبرياء منهم, فيفقد نقاءه, وثقة الناس به, فأطلقهم في فضاء الحرية يسرحون.

من كتاب الوثائق.

 زاوية نافذة مدى/ مينا تشوان, مجلة حياة, العدد 151

التصنيف: غير مصنف | 3 أحاديث »



3 أحاديث

  1. ナイキ :

    i’m grateful for the given information.

  2. أوائل الجزيرة :

    هذه سنن الله في كونه
    فلم يدم للملك ملك عادل ولا ملك ظالم وإنما يتعاقبون كما يتعاقب الناس البعير في السفر الطويل

  3. محمد الفارس :

    قصة شيقة جدا و مدونة اكثر من رائعة
    https://www.fromusatoksa.com

الحديث لك..

مُلاحظة : الردود تُعبّر عن آراء أصحابها.