مُدوّنة مدى العقل » أرشيف » جهلتها فعذلتني!.


” روابطي “

” ‎كُنّاشة آماد “

” المُدوّنة الصّينية “

” ما سلف “



بحث

" الواقفون على أرضي "


SPEEDCOUNTER.NET - Kostenloser Counter!

جهلتها فعذلتني!.

6 يوليو, 2012 كتبته مدى العقل

وحين رأت من أمها العزيمة القاهرة والإقدام المُتحقق على ربط عنق دمية؛ قديمة, مُتهالكة, مكسورة اليد, منفوشة الشعر, مُتدلدلة الساق بحبلٍ غليظة, وتعليقها على سطح الدار من الخارج, لتستحيلَ كطفلةٍ صغيرة خَلُصت إلى الإنتحار فراراً من الحياة؛ يتدلى جُرمها الهزيل بين السماء والأرض, تحركهُ نسمة هواءٍ عابرة, وتبلهُ قطرةُ مُزنٍ هاطلة , وتزيد من شعثها كل معصرةٍ وأيُّ عاصفة..

حين رأت أنّ أمها قد انتهت إلى الوضع الذي لا يحزبها من أمرها شيء, ولا يؤودها عن تطبيقهِ فيء؛ للتخلص من الحمام .. من فرطِ ما قاست من قَذرِ مُخلّفاتها, ونشازِ جلبَتِها, وقبيحِ منظر نوافذ وباحة المنزل من أعشاشها وأعوادها وأدرانها.. حتى نفد جميل صبرها فأعطت ابنتها الأذان الأخير بموعد التنفيذ .. لسابق علمها عن تعلق قلب ابنتها بالحمام .. ووقوفها سحابة يومها أمام النافذة تودعها حين تغدو وتتأمل صغارها, تحرسهم إلى أن تروح لهم بالطعام والرزق ..

لن أسمح لهنّ بإزعاجي بعد اليوم ..” قالتها الأم بغضب ثمّ هيَ لم تعبأ بشعور ابنتها , ولم تنتظر أن تسمع منها جواباً.. استعبرت بخفاء وتهندمت بالرضى تظاهراً, وساقها كبريائها إلى أن ترسم على وجهها سيماء القَبول, تماماً كما تفعل دائماً حين تضيق بوجهها الأزقة, وتسودّ الدرُوب.. وتتعسّر الظروف, وتضيع الحلول, وتتفلّت من يديها.. فتتشتت, وترى بأنّها مُسيّرة إلى حيث لا تشتهي ولا تحب؛ تزعُم أنها راغبة, راضية.. مختارة.. وقد تزيد إلى حد أن تُعينهم على ماهم مُقدمون عليه, كما فعلت ومدّت لأمها الحبل الغليظة والمقص وقالت: دونكِ ما تحتاجين يا أمي.. ولكن؛ اخنقيها بلطف ..
ثمّ تمتمت.. واخنقيني بلطف أنا أيضاً!.

لم ينمْ إلى ذهن الأم أنّ هذه الدمية البالية هي جثة تلكَ الدمية الجميلة التي اختارتها ” سماح ” يوم نجاحها في الصف الرابع الإبتدائية, بدت بهذا المظهر بعد أن تقادمت عليها الأعوام تلوَ الأعوام.. وفي كل عام تقترب فيه سماح من تحقيق حلمها لتكون “طبيبة” ترتدي معطفاً غراً, ويتحلّق حول عنقها عقدٌ معدني ينتهي بدائرة تضعها على صدور المرضى لتُناجي أرواحهم المُتعبة, وتستمع إلى أنينُ قلوبٍ أنهكتها الآلام والأوجاع.. فتمسح على جباههم المُتفصدة بعطفها وحنانها, في كل عام تقترب فيه من حلمها تجدهُ يَفِر منها, يتوارى عن آمالها خلف قيود الأعراف, فلا تجد إليه سبيلاً.. ولا تعرف للوصول إليه مُرشداً ولا دليلاً.. تنظر إلى الدُمية.. ترى فيها نفسها, إلا أنها تبكي والدُمية تبتسم.. تجد بأنها استيقظت لترى الواقع من عيون الآخرين.. ولكنّ هذه الدمية البلهاء مازالت غارقة في بحر أحلامها الوردية, تصرخ بكل ما أُوتيت من قوة: أيتُها المُخادعة.. لقد خدعتني! ثمّ تقذف بها على الحائط.. وهكذا بين الصراخ والبكاء والضرب تقضي سماح الكثير من الليالي, كُلما حدّثها أحدهم عن مستقبلها, أو سألها سائلٌ عابر عن اختيارها الجامعيّ دون أن يهمه سماع الإجابة كثيراً, وما يدري ما يصنع سؤاله اللامبالي بقلبها بعد ذلك .

لم تكُن سماح فتاة عادية أو ضعيفة , إلا أنّ إحساسها المُفرط بالعظمة والقوة يقودها إلى أزقة الضعف من حيث لا تدري.. كانت فتاةً نبيهة؛ بها من الجلد, وتوقد الذهن, واتساع المدارك, وواسع الأفق, وصرامة الإرادة ما يجعلها تستلذ بمقارعة أعتى المسائل, ومُغالبة أعقد العلُوم, واستذكار أدق الشؤون والعكوف عليها بالليالي والأيام.. إلا أنها تضعف وتستكين وتتلاشى أمام نظرة ازدراء, أو همسة رفض, أو إيماءة احتقار تقرأها في عيون الآخرين, أياً كان نوعهم, أو قربهم أو علمهم.. ففي داخلها عظمة تأبى عليها مقارفة ما يزدريه الناس ويُوضِع من قدره وإن كان في سبيل قتل أحلامها, وهدم صرحها.. فتتمادى في المُكابرة, وتوغل في طريق التنازلات والهزائم النفسية المُتتالية.. فقد تقتل نفسها وتزهد في أنفس أملاكها, وتُريق دماء روحها في سبيل أن تحُف بها نظرات الإعجاب , وتُشيّعها المدائح في كل محفلِ ومَجمع ..

رفعت بصرها إلى الدُمية المشنوقة في الأعلى بعد أن فرغت أمها من المهمة, كان منظرها كالمُدية الحارقة, تُوغل في صميم قلبها تنكأ جراحه المُتوارية خلف ستار الكبرياء والأنفة..
نظرت إليها, وأطالتِ النظر ولم تسترددها إلا بعينينِ مخضلّتين بالدموع ..

هي تعلم يقيناً أنّ ذاك العالم الأبيض ما كان ليُلطّخ بسواد الشك وسوء الظن لولا سوء صنيع كثيرٍ ممن شغلوا ساحته واستحلوا الحرام في باحته.. هيَ تعلم بأنّ الناس تتحدّث بما تعلم وترى, وأنّ الحكمة البشرية الجائرة تنص على عموم الشر إذا استحكم سواده وتقلّص البياض.. كما تعلم أيضاً بحاجة مُجتمعها – الذي سيزدريها إن لبّت حاجته – لنساءِ صادقاتِ عفيفات يشغلنّ هذا الحيّز.. وتتناهى إلى أذنها في كل حين قَصص تمنُّع المريضات من التخلف إلى المشافي حياءاً وعفةً من الرجال, ولا سبيل للتوفيق بين الواقع المرير والحاجة المُلحة إلا بتقدم جماعة من الطبيبات المُصلحات يخضنّ غمار المهنة الإنسانية الشريفة, يُجدّدن تلكَ النظرة العتيقة بجميل فعالهنّ, وغاية تمسكهنّ بالدين وطيب الأعراف.. إلا أنّها عجزت أن تكون من بين تلكَ الصُفوف ..

في طريقها إلى الجامعة لإجراء أول اختبارٍ في قسمها الذي يمتدحه الناس كثيراً, يخنقها المسير كلما ازدادت نحوَ مدخلِ الجامعة خطوة, تشدّ قبضتها على العباءة.. ترفعها من الأمام قليلاً تفادياً للوقُوع, لسانها يلهجُ بأدعية وأذكار تستحضرها سريعاً شحذاً للطمأنينة ..
دلفتْ إلى الجامعة لا تدري بأيّ القدمين بَدأت.. المهم أنها دخلت, ترى مبنىً كبيراً وفتيات متفرقاتٍ هُنا وهناك, في الزّاوية.. خلعت عباءتها وأخذت تُهذّبها بتأنٍ وأطالت في ذلك, من جيب حقيبتها الخارجي أخرجت مرآة صغيرة نظرت من خلالها إلى وجهها سريعاً ثم أعادتها إلى مكانها, أخذت تعبث في الشطنة تبحث عن اللا شيء.. فهيَ تُريد أن تتأخر وحسب !
دخلت المبنى وكان المكان في الداخل مُغبرّاً .. والاضاءة ضعيفة موزعة على الأمكنة الفسيحة , لم تُسعفها أشعة الشمس المُتسللة عبر المداخل والفتحات في إنارةِ المكان, لم يكن المُناخ الخارجي والفوضى والإزعاج مختلفاً عمّا يضج بداخلها من مشاعر خوف وقلق ..
تقدّمت لخطوات لا تدري في أيِّ القاعات سيكون الامتحان غير أنها رأت أنّ الجموع تتجه إلى ذاكَ الاتجاه, فسارت خلفهم إلى حيث يذهبون.. الممر طويل تتخللهُ الكثير من الأبواب المُؤدّية إلى قاعات الامتحانات, عرفت قاعتها بقراءة اسمها مسجلاً على الورقة المُعلّقة على الباب.. دلفت إليها ثمّ اتخذت لنفسها مكاناً, وشرعت في قراءة الأدعية والأذكار ريثما تنتظم الأوضاع وتَصِل الأوراق ..

ما هوَ حلمُكِ في هذهِ الحياة ؟” قرأت الأستاذة السؤال ثمّ أردفت : هذا السؤال للمساعدة .. وضعتهُ لكنّ حتى أنتشلكنّ من وحل السقوط.. وابتسمت ابتسامةً صفراء قبيحة, ثمّ خرجت ..

لم تكن سماح قد بلّت من همّها, وما زالت صبابة من الألم مُتشبثة بقلبها لم تتخلّص منها بعد, تأمّلت السؤال.. وأطالت التأمل والتفكير, تتقاطع في نفسها مشاعر مُتعددة , تُوجع قلبها المُتعب , لم تدري عن نفسها إلا وقد أمسكت بالقلم ورسمت دائرة في قلبها عينان وفمٌ مُبتسم, من أسفل الدائرة تنحدر أسطوانة تخرج منها ثلاثة خطوط كنايةً عن الأطراف, على الدائرة من الأعلى رسمت خربشاتٌ مُتشابكة كثيرة يخرج من فوقها خطٌ طويل يمتد ليُعانق السؤال, هكذا تكُون قد انتهت من حلّ الامتحان .. فليسَ في جُعبتها ما تُضيفه لأيّ فقرةٍ أخرى ..
وضعت القلم في جيبها, اتجهت نحوَ المُراقبة .. سلّمت الورقة وخرجت .

في الغد تمشي سماح بكل هدوء مُتيممة شطر قاعتها, تُصادفها زميلتها سعاد قائلة: سماح .. الأستاذة هند أرسلت في طلبكِ, لا تنسِ مُراجعتها ..

ستندمين كثيراً على ممارسة أفعال الصّغار معي .!” قالتها بحدّة.. ثم صفقت في وجهها الباب, همّت سماح بالكلام لتبرير موقفها وشرح الغموض الذي يكتنف رسمتها وتبيين ما تحمله من معاني مُوافقة لمحتوى السؤال, إلا أنّ صفقة الباب كانت أسرع منها.

أقفلت -سماح- إلى حيث لا تدري إلى أين تذهب, تُتمتم – ساخرة من نفسها ومن الواقع والناس والامتحان والدُمية والحمام.. والأحلام – : لوكنتَ تعلمُ ما أقولُ عذرتني ** أوكنتَ تعلمُ ما تقولُ عذلتكَ .. لكن جهلتَ مقالتي فعذلتني ** وعلمتُ أنّك جاهـلٌ فعذرتكَ.!

قصة قصيرة للمشاركة في مسابقة لها أون لاين للنشر الورقي- 2009

التصنيف: قصة قصيرة | 6 أحاديث »



6 أحاديث

  1. ريم حسن :

    قصة جميلة جداً ومليئة بمشاعر وأفكار عميقة لا تقل عمقاً عن إجابة سماح على سؤال الامتحان!

    شكراً مدى على إمتاعنا وأخذنا لعالم سماح والذي هو عالم كثيرات في هذا العالم!

  2. مدى العقل :

    ريم حسن..
    حيّاكِ ياعزيزتي وبيّاكِ, وشكراً لإسعادي بتواجدك يا ريم.

  3. بسومه :

    你好
    我感到惊讶,我不知道你会写那么好
    قصة رائعه ووصف أروع من كاتبة رائعه
    استمتعت جداً بكتاباتك
    واسمحيلي أكون من رواد مدونتك الجميلة

  4. مدى العقل :

    بسومة..

    你好,欢迎在我的博客,我跟广州都想你。
    :) 那里那里马马虎虎。
    我更高兴你来这里: http://www.malaqele.com/meina

    حيّاكِ الله يا بسومة, سعيدة جداً بكِ, وأسعد أكثر بمتابعتكِ.

  5. اميره :

    مدا دائماً ما ترسم حروفك البسمه ع محيياي ربما لأنك أختي او لأننا نتشارك الطفوله ذاتها :)

  6. Nike :

    Do you mind if I quote a couple of your articles as long as I provide credit and sources back to your webpage? My blog is in the very same niche as yours and my visitors would definitely benefit from a lot of the information you provide here. Please let me know if this ok with you. Appreciate it!

الحديث لك..

مُلاحظة : الردود تُعبّر عن آراء أصحابها.