مُواطن في عالمين !

الإنسان مواطن في عالمين ” هكذا يُعرّف بعض الفلاسفة الإنسان .. وذلك لاتصالهِ بعالم الروح وعالم المادة في آنٍ واحدة , لأنهُ مخلوق مركّب من جسد وروح , شهوة وعقل , مشاعر وأفكار .. هوَ كيان يعيش في عالم السماء وعالم الأرض , وهذا هو الوصف الدقيق لـ ” حمُود ” الإنسان الذي يعيش مُشتتاً بين سماء مُثله وقيمه ومبادئه , وبينَ أرض الواقع المؤلم ومرارة الحاجة , ومرض الضنى .. والهوان على البشر .

يُصارع تزاحم الأرقام على فواتيرِ العلاج , ويتذوّق حنظلة قِصَر ذات اليد ومهانة النظر إلى أيدي الأغنياء .. حاولَ مراراً بعد إلحاح زوجته وأمه وأصدقاءه أن يكسر العزة المُتمثلة في ذاته , وأن يمسح معاني الكرامة والكبرياء المُزخرفة بماء وجهه .. فاتصل على صديقهِ يُخبره بأنهُ قد وافقَ أخيراً على استقبال الصحافي في بيته , إلا أنّ الصحافي قال لهُ بحدة : اسمك وصورتك هيَ مقياس مصداقية الخبر والحافز الأهم لتجاوب الآخرين مع قضيتك , من دونهما لا أستطيع أن أخدمك بشيء .. وخرج !

تلكَ الحادثة كانت بداية لمسلسلٍ يومي يتضمّن مُتابعة زوجته لأخبار تفاعل أهل الخير مع المُحتاجين في الصُحف تعقبُها محاضرات لومٍ وتعنيف قاسية , لم يكُن يُقاوم أسلوب زوجته الفض والبكاء والحرقة التي لا تكُف عنهما صبح مساء فيهرب إلى ابنته المريضة المُتلحفة في غرفتها , كان يجلس معها كثيراً يبكي ويندب حظه , يعتذر عن عجزهِ وضعفه .. يعتذر منها عن قسوة العالم وجبروت المادة .. عن قيمة الإنسان المُتدنية , عن الأغنياء الذين يُنفقون الملايين لهواً ولعباً , عن الجمعيات الخيرية ومراكز تبسمى بحقوق الإنسان , عن خطب الرحمة ومساعدة المُحتاج وتكافل المسلمين , عن أشخاص يلبسون ملابساً بيضاء يُنعتون زوراً بملائكة الرحمة والإنسانية وهم شياطينها !

يُمسك بيدها الصغيرة يُقبلها بألم .. ينتزع الكلمات من حلقهِ إنتزاعاً : إنهم يُضيّقون الخناق على أبيكِ يا بُنيتي , لم يعُد بوسعي الاحتمال أكثر , لا أستطيع أن أصمد مزيداً من الوقت , إنني أنهار .. أتلاشى مع كل لحظة ألم تمر بكِ دون أن أصنع لكِ شيئاً , أنا آسف لأنني خدعتكِ .. آسف على كُل القيم التي شربّتكِ إياها وأخوتكِ في المهد , على كُل المعاني السامية التي ربّيتكم عليها , لأنها أكبرُ منّا (!) نعم نحنُ لا زلنا في عالم ” الريال ” صغاراً , الكرامة والعزة والإنسانية كلمات مُزخرفة ندرسها في الكتب , هي معطف للأثرياء فقط .. وليسَ للفقراء أيُّ حظٍ فيها أو نصيب ..

ذنبنا الوحيد أننا نُريد أن نعيش مُتأبّطين كرامتنا ! وهم لا يُريدوننا كذلك , لأنهم يُريدون أن يُكفّروا عن سيئاتهم , أن يغفر الله لهُم , حبهم للمال لن يسمح لهُم ببذلهِ لنا إلا إن أثرنا شفقتهم وتوغلت صورنا البئيسة إلى قلوبهم القاسية الصلدة , كُلّما إزددنا حاجة وفاقة كُلما إزدادوا رحمةً وتعاطُفاً لنا , وأمدونا بفضلة أموالهم وفائضها .. هم يُعطوننا المال حتى يغسلوا شرورهم , حتى ندعوَ الله لهم , أرأيتِ ماذا يصنعُ الأثرياء ؛ حتى الدُعاء يشترونهُ بالمال !

الجريدة بحاجة إلى صفحة إنسانية حتى تبلُغ صفحاتها النصاب .. تملأها بفضائحنا , تكشف عوراتنا للعالم (!) لن تمتلىء صفحاتهم إلا بإنتقاصنا , فقرنا مكسبٌ لهم وغنيمة (!) لا بُدّ أن نجلس جميعاً أنا وأنتِ وإخوتكِ , وأمكِ أيضاً سترتدي عباءتها وستُشاركنا صورة البؤس والمهانة , يجب أن نجلس وننظر جميعاً لعدسة المصوّر .. لا ليسَ جميعاً أخيكِ محمد سينظر إلى الأرض , وخالد يجب أن يضع يدهُ على جبينه ليظهر بمظهر المسكين .. قد يطلبون منّي أن أعتصر قلبي وأتمخّض دموع الرّجال ! لا بأس .. هيَ المرة الأولى التي نقف فيها أمام (فلاش) آلة التصوير ولا يُطلب منّا أن نبتسم حتى تصير الصورة (أحلى) , لأنها بالبؤس أجمل ! هم يرونها هكذا أجمل .. مقاييسهم تختلف عنّا ..

يجب أن نظهر للعالم بقمة الإنهزامية والضعف حتى تعيشي يا بُنيتي , يجب أن نبذل صك كرامتنا بخنوع كيْ نُحرركِ من سراديب مرضكِ , سأفعل كُل ما يُريدون , سأسقي أرض القسوة اليابسة من ماء وجهي حتى ترتوي وتُنبت مالاً للمعوزين أمثالي , سأُفلس .. سيسْخرُ الكثير من الصبية على إخوتكِ في المدارس , سيتشاجرون معهم ويَضرِبون ويُضرَبون , سأُغيّر المسجد الذي أُصلّي فيه توارياً من أعين الناس , سأمشي في الطرقات مُلثماً حتى لا يراني أبو مصطفى وأبو سعيد , لا بأس .. لا مُشكلة من إكمال بقية مشوار الحياة بلا كرامة .. فالكثير يعيشون دُونها ! ستجدينهم حول كُتّاب (المعاريض) يطوفون حولَ القصُور .. الأرض مليئة بالمعوزين .. لسنا وحدنا .

بعد أيام يُكتب في الجريدة : إن الطفلة ” وئام ” إنتقلت صبيحة الأمس إلى رحمة الله تعالى بعد سنواتٍ عانتها مع المرض , ” حمود صالح ” والد الطفلة يتقدّم بالشكر الجزيل والدعاء الوفير لكُل من مدّ لهُ يد العَون والمُساعدة ولكل من تفاعل من القرّاء مع قصة ابنته وهمّ بالتواصل , سائلاً المولى أن يجزيهم خير الجزاء في الدنيا والآخرة ..

مجلة حياة – العدد 119

7 تعليقات على “مُواطن في عالمين !”

  1. تغريد ( عزف ) أضاف بتاريخ

    أهـ يامدى ما أعظم ماكتبتي وأقساه ,
    .
    .
    بدأت أنظر لما يُكتب في صفحات المحليات بِ نظرة أُخرى .
    بارك الله بِ قلمك

  2. دندنة قيثارة الوجد أضاف بتاريخ

    ما أصعب العيش بدون كرامة!!!

  3. بيان أضاف بتاريخ

    راااااائع يا مدى ()

    باركك الرب وزادك فضلا ً

  4. مدى العقل ! أضاف بتاريخ

    تغريد .‘

    النوايا الحسنة لا تكفي لصنع فعل حسن , ومُساعدة تستلزم “الفضيحة” وهدر الكرامة .. هيَ جريمة بلبُوس طيّب !

    أهلاً بكِ

  5. مدى العقل ! أضاف بتاريخ

    دندنة , بيان .‘
    أهلاً .. وحيّاكم الله .

  6. حمده أضاف بتاريخ

    نص لا يكتبه إلا مُلهم - بوركتِ !

  7. مريم~ أضاف بتاريخ

    القصة جميلة وقد قرأتها من قبل في موقعين بارك الله فيك .

    لكن الذي أثار تساؤلي ردك على تغريد !

    ( النوايا الحسنة لاتكفي لصنع فعل حسن ) كيف يامدى ؟

شارك بتعليقك