مُدوّنة مدى العقل » أرشيف » ” سر ” .. غير جدير بالإهتمام !


” روابطي “

” ‎كُنّاشة آماد “

” المُدوّنة الصّينية “

” ما سلف “



بحث

" الواقفون على أرضي "


SPEEDCOUNTER.NET - Kostenloser Counter!

” سر ” .. غير جدير بالإهتمام !

31 ديسمبر, 2009 كتبته مدى العقل

 

 

تنظرُ إليّ ، تبرق في عينيها لمعةُ الطفولة ..
تخطفني من بين الجموع ،
: ”
أبيكِ بسر !  

 

وكانت ” سر ” كلمة رنانة ..
لمفعولها جاذبية ساحرة تفوق ” فهلوة ” كل متسولو / مندوبو المبيعات .. 

 نمشي الهوينى .. بأيدٍ صغيرة مُتشابكة ،
ومراييل متسخة من أثرِ الجلوس ! 

 

نجلس ، حيث تظللنا شجرة التوت ..
تلك الشجرة العظيمة ،
والتي تواترت إلينا عنها الكثير من المتون صحيحة الإسناد ..
تحكي لنا بأنّ هناك ” بناتيدرسن الآن في المرحلة الثانوية كن قد أكلن منها .. 

 

- والحديث في عرفنا عن ذكريات طالبات صرن في الثانوية ؛ كالحديث عن البشر قبل الميلاد في وقتنا الحاضر ! -
ليزداد إيماننا بعظمة هذه الشجرة وكرمها .. ونهمس :
الله يعز الحكومة .. حتى التوت ببلاش !  

 

وكان لطعم التوت من الأرض – ! – حلاوة ولجمعه متعة ولذة تفوق طعمه ..
ولا زلت لا أدري هل السر في التوت أو تنافس الصغار ، أو في ” مال ” الحكومة ! 

 مبنى مدرستنا لمن لايعرفه ؛
لم يكن فيه أي شيء يدل على أنه مبنى قابل للإستخدام البشري – فضلا عن التعليمي ! – إلا شجرة التوت ..
وبين الفينة والأخرى يباغتنا تهريب مائي من تحت الكراسي في الفصل ..
طبعا لا علاقة لهذا بالموضوع إلا أنه مظهر من مظاهر الأجواء الطبيعية التي كنا نعيشها في المدرسة ! 

 

مديرة المدرسة كانت فلسطينية الأصل ..
شديدة البأس ، صعبة المراس ..
تقدس الأنظمة والقوانين .. والتهزيء !
لا تجد الطالبات ولا أمهاتهنّ متنفساً من قسوتها إلا التساؤل بتذمر : ” ليش فلسطينية وتصير مديرة ؟
..
ونطالب بالسعودة ، وكأن المشكلة في جوازها وليست في الأنظمة والأخلاق وضعف الرقابة !
وهكذا نحن دائما نسير لحل المشكلات في الإتجاه الخطأ .. 

 عيونها تلاحقنا في كل مكان ، وسلطتها تتبعنا حتى توصلنا إلى بيوتنا ..
تقف – بكل عنترية – في الطابور تحذر وتتوعد أي طالبة تذهب للشراء من ” بقالة أم جاسم ” بعد الإنصراف من المدرسة ..
ولعل من يسترق السمع إلى حديثها يحس لوهلة أن أم جاسم توزع الهروين مع كل ” حلاوة ” مجاناً .. 
 وعند كل ظهيرة يقف الباصالخاص ” أمام أم جاسم وتمتلئ حجرتها بالصغيرات ..
وكأنّ أحداً لم يهدد ..
وكأنّ أحداً لم يسمع ..
وفي الباص أبقى .. – وبعض الطالبات – لا أنزل ؛ لا لشيء سوى لأني كنت غبية .. ومثالية ! 

 

وذاتَ طابور كئيب .. ومسطرة خشبية طويلة ؛ تخرج المديرة من جيبها ورقة وتنادي :
منيرة ، سارة ، فاطمة ، مدى ، نورة .. ،
إلى مقصلة التعذيب وبئس المصير !
بريئة يابيه .. بريئة 

 

ولكن في هذا الوقت لاتنفع الشهادة ولا تجدي الشفاعة ..
قد رفع القلم .. والمسطرة ، وسقط الحق والكرامة ..
وأن المنصة التي تكرم عليها للتفوق والأدب والإذاعة ..
لا بأس أن تعاقب عليها إذا حل العدل ! 

 

وهطلت دموع الظلم .. والمثالية ؛
لتحرك إحساساً في قلب إحدى المعلمات وتطالب بالتأكد من الإدانة ” بعد ” حلول العقاب ! 

 

وتنصرف المديرة بعد أن تذكّر الطالبات بأخذ العظة والعبرة من أخواتهن المنكوبات ، وتُصر بعدها المعلمة أن تخرج الجاسوسة أمام الملأ .. فتخرج وليتها ما فعلت ! 

 

- ” ويضع سره في أضعف خلقه ! ” -

 نجلاء ..
فتاة مستضعفة ؛ كثيراً ماتأتي للمدرسة بكدمات خلّفتها زوجة أبيها على وجهها بالأمس ،
كنتُ أكيل لها الكثير من المشاعر والعطف ..
حتى أنني لـ أطيل النظر إليها حتى تنظر إليّ ..
ثم أبتسم ! وأذهب ..
“    لا والله ماعمري شفتها .. بس في وحدة قالتلي .. وأنا والله ماصدقت .. والله .. وحدة .. والله العظيم .. قسم بالله ..    

 

تقولُ لنا المعلمة بأن المديرة تقسوا علينا لمصلحتنا ، وأنها تخاف علينا أن يمسنا سوء إن ذهبنا لـ ” أم جاسم ” ..
والبنات يقلن بأن المقصف يخسر لأن الطالبات يوفرن مصروف الفسحة للشراء من أم جاسم .. فالأسباب أغلبها إقتصادية ..
وأنا أصدق الطالبات وأكذب المعلمة ! 

 

في الباص تقترب مني نجلاء معتذرة .. لا ترفع عينها من شدة الخجل ..
لا لا عادي .. أصلا مازعلت !يقف الباص أمام أم جاسم .. ويفتح الباب .. فـ أنزل ! 

 يقول أحدهم بأن السجن علّمه الوسطية !
وأقول بأنّ السجين لايخرج من زنزانته إلا بإحدى البلوتين :
إما التطرف وإما الإنبطاحية !  

 

وكم منبريءٍ ” دخل السجن .. فخرج متعطشاً للجريمة! 

 

جواسيس .. تسلط .. عبودية .. ظلم .. إشتباه .. جلاد .. براءة بعد العقاب .. جريمة بعد البراءة ..
المدرسة لم تخرج من فراغ .. هي جزء من هذا العالم المليء بمثل هذه التفاصيل! 

 

ويزداد شوقي لسماع السر .. ويطولُ بي الطريق كحاجٍ ” مصري ” يقبل إلى مكة فتطول به المسافات شوقاً ..
: ”
مدى .. تسرحين كثير ،
عندك مشاكل عائلية ؟  

 

إبتسمتُ لسببين ، الأول إهتمامها ،
والثاني لأن كلمة ” مشاكل عائلية ” كشفت لي بأن قضيتي قد طُرحت على طاولة أختها الكبرى للنقاش والتحليل .. 

 لا يوجد شيء مهم ياصديقتي .. هي العادة فحسب .. 
 لم أكن حينها أعرف عن أحوال المسلمين شيء يذكر .. صحيح أننا كنا ننشد ” سراييفو ” سوياً في كل فسحة ، إلا أنني لم أكن أهتم بها لا سيما وأني ظليت فترة طويلة أظنها كلمة ” حساوية ” غريبة ! 
 كيف لو رأيتني الآن ياصديقتي .. كبرت .. ولا زلت أسرح كثيراً وأنسى ،
قلبي مع كابل وعقلي مع الصومال ، وعيني على غزة ! 

 

ولا أعرف عنهم سوى أنهم في خير من الله ..
وسوء من عبيده ..
- كما تقول لي الغزاوية رنا دائما -

 لاشيء يدعوا للإهتمام ياصديقتي .. لاشيء ،

 

التصنيف: قصة قصيرة | 4,801 أحاديث »