مُدوّنة مدى العقل » أرشيف » أكرههنّ .. وأضحك !


” روابطي “

” ‎كُنّاشة آماد “

” المُدوّنة الصّينية “

” ما سلف “



بحث

" الواقفون على أرضي "


SPEEDCOUNTER.NET - Kostenloser Counter!

أكرههنّ .. وأضحك !

10 ديسمبر, 2009 كتبته مدى العقل

أكرهُ النساء ؛ لأنهُن مخلوقاتٍ بَلهاء يُغيظني مرآها كثيراً .. أمي كانت أوّل فردٍ أراهُ من ذاكَ الجنس , كان أبي يكرهُها كثيراً .. وكنتُ مثله .. أكرهُها , ما مرّ يومٌ ولا مرّت ليلة إلا وتشاجرا فيها , كان يضربها كثيراً .. وتضرِبُني أكثر , الجميع كان يقسُو عليها .. أبي .. أخوالي .. أعمامي .. جدّي .. حتى بائع الخُضار كان يقف خلف الباب فيأخذ منها المال ولا يُعطيها خُضاراً , فتذهب لتشتكيه عند أبي فيضربُها , كنتُ الذّكر الوحيد الذي تقوى على ضربه ولذلك فهيَ تضربني دائماً ..

والدي اختفى منذُ زمن بعدَ أن ألقى عليها يمين الطلاق ذاتَ مرة , يومها كانت حبلى بطفلتها الخامسة . سمعتُ عمتي ذات يوم تهمسُ في أذن جارتها : أخي لم يُحب زوجتهُ يوماً قط , ومازلتُ أتساءل كيف يعيش الرجل مع زوجته السنين الطوال وتُنجب منه الذراري الكِثار وهو يزعُمُ بغضها وهيَ لا تُطيق ظلّه (!) هل صار الزواج من الروتينيات التي نقوم بها لأنها تجب علينا .. من دون رغبة ! هل يستمرون في الحياة والإنجاب لأنّ المجتمع يُصنفهم أزواجاً !

بعد غياب والدي صارت أمي قاسية بشكل لا يُطاق , كنتُ صبياً مُشاغباً وكانت تضربني وتركلني بعدد ذرات الغُبار التي تملأ بيتنا وتتراقص أمام ناظريْ حين أبكي وحيداً في حجرتي .. تُردّد على مسامعي دائماً : ” مانفع الكلب ينفع ولده ! ”

كنتُ صبياً ضحُوكاً , وكانت امرأة تُثيرها صغائر الأمور , وكنتُ لا أحتمل أن تُحدّق بي بغضب ولا أضحك ! فتزدادُ بأساً , ولا أستطيع أن أهرُب وأفلت من قبضتها من شدّة الضحك ..

دائماً ما تغضبُ مني ونحنُ جلوسٌ حول بساط الطعام , فتقذفني بإحدى الملاعق فأنفجرُ ضاحكاً وإذا ما بفمي ينتشرُ رذاذاً على الطعام فيغضبُ الجميع وينفضّوا من حولي , فلا يبقى سواي واقعاً على ظهري .. أضحك !

ألزمها المرض الفراش أسبوعاً , كان أسبوعاً مكتظا بالنساء (!) , الجارات يأتين من كلِّ حدبٍ وصَوب , لم يُمهلها المرض طويلاً حتى نقلها في صبيحة اليوم الثامن إلى عالم الأموات , وبدأتْ قصتي الجديدة مع النساء .. قصة مليئة بالأحضان !

ولم أكُن أعرف الأحضان قبل أيام العزاء , ماتت أمي لتُخلِّف وراءها خمسة بنات ورجُل .. يَرينهُ النساء لقِصَرِ نظرهنّ صغيراً فيُكثرن تقبيله , أقضي أكثر وقتي خارج البيت هرباً من نظرات الحنان والشفقة التي تحاصرني بها الخالات والجارات ..

لا زلتُ أذكُر حين إقتَرَبَتْ منّي خالتي مُتوددة فغرستُ كوعي في خاصرتها وفررتُ هارباً إلى الشارع على صدى صرخاتها مُتوجعة , عدتُ في آخر الليل أخطو بوجل على أطراف أصابعي فسمعتُ جدتي تلومها على كَثرة قلقها علي فترد عليها : مسكين ارحموا يُتمه ! , ولا غرابةَ في ذلك البته فهذا الجنس كما أخبرتكم ؛ أبلَه !

لم يكُن يحبسني في البيت إلا مشاجراتٍ عابرة أختلقها مع أختي التي تصغرني بسنة وبضعة شهور .. كانت تُثير شفقتي أحياناً ولكن ليس لي بد من مُعاندتها حتى تشتمني لأجد سبباً وجيهاً لضربها , أتحررُ بهِ من سطوة تأنيب الضمير إن إستيقظ على غفلةٍ فيما بعد !

حين كبرتُ قليلاً دلفتُ كما دلفَ الكثير غيري إلى عالم الإنترنت , توقعتُ أن أستمتع بهِ لولا أنني وجدتُ مالم أحسب لهُ حساباً , فالنساء يحتللن هذا العالم بشكل لا يُطاق , مكوثهنّ السرمدي في البيوت جعلهن يتجذرن في الشبكة العنكبوتية أيّما تجذر .. فما أن تدخُل موقعاً أو منتدى إلا وتجده يضج بالنساء فهذه عضوة جديدة وتلك عضوة متفاعلة وهذه مشرفة وتلك إدارية . وهذا مالم أكن أطيقه ؛ أن ترأسني على آخر الزمن ( بنت ) !

لم أكُن مُختلفاً عن الواقع كثيراً .. فقد كنتُ كثير الشغَب قليل الصّحب , وكنتُ لهنّ بالمرصاد (!) , أضحكُ كثيراً على بعض الردود .. كانو يغضبون منّي بشدة وكنتُ أضحك .. وكلما إزدادوا حنقاً كلما إزددتُ ضحكاً , يقولون أنّي وقح وبذيء , وهناك من يزيد في العيار ويقول أنّي مريض ولم أكُن أرى سوى أنّي ذكيٌ صادقٌ صريح وهم لا يُريدون الحقيقة ! أنا لا أحب المُجاملات ولا المُنعطفات وهم يعشقونها .. هذا هو الفارق بيننا .. ولذلك تكثُرُ بيننا التوتُرات , لستُ مجبراً على أنْ أسير كما يُريدون منّي أو أن ألبس ما يُفصِّلُون لي حتى أنال رضاهم أو أحظى بمدائحهم .. لأنني لا أُحِبُّ المديح أصلاً , فأنا سعيد لأنهم يغضبون .. وأضحك !

ذات يوم كنتُ واقفاً مع أحد الرِّفاق فجرّنا الحديث إلى النساء على غفلةٍ منّي فقال : أنت شخصٌ غريب الأطوار تفرح حين يحزن الناس وتضحك حين يغضبون .. عصبي المزاج حاد الطبع بذيء الكلام .. تزعمُ كره النساء ثمّ تتحدّث عن شوقك إلى رؤية أبنائك .. كان الله في عون من ستتزوجها !

- وهل يلزمني أن أتزوج بامرأة حتى يكون لي أولادٌ !

لم أكمِل عبارتي تلك حتى انفجر صاحبي ضاحكاً بضحكات متفرقة عالية : أيُها المجنون وهل تُريد أبناءً من دون نساء !!

كان سؤالاً تلقائياً عابراً , ولكنهُ كان ساذجاً فحمله محمل الجدْ وضَحِك , رنّ هاتفهُ المحمول ليرُد بـ ” هلا أم راكان ” ولم تكن الكلمتين تجتمعان على بعضهما من فرِط الضحك , أومأ لي مودعاً وذهب وهو يتحدث ويلتفت إليْ ويضحك ..

مجلة المتميزة / 78

التصنيف: قصة قصيرة, مجلة المتميزة | 5,065 أحاديث »