مُدوّنة مدى العقل » أرشيف » أقدارٌ .. وتأويل !


” روابطي “

” ‎كُنّاشة آماد “

” المُدوّنة الصّينية “

” ما سلف “



بحث

" الواقفون على أرضي "


SPEEDCOUNTER.NET - Kostenloser Counter!

أقدارٌ .. وتأويل !

18 أكتوبر, 2009 كتبته مدى العقل



قال تعالى :

( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ () أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ () وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ () تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ

() فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ)

ويقول الشيخ المباركفوري :

حين ننظر إلى بيت المقدس نرى أن المشركين من أعداء الله سيطروا على هذه القبلة مرتين وأهلها مسلمون , ولكن الكعبة لم يسيطر عليها النصارى – وهم المسلمين إذ ذاك – مع أن أهلها كانوا مشركين

فهذه الوقعة لفتت أنظار العالم ودلته على شرف بيت الله , وأنه هو الذي اصطفاه الله للتقديس , فإذن لو قام أحدٌ من أهله بدعوى النبوة كان ذلك هو عين ما تقتضيه هذه الوقعة , وكان تفسيراً للحكمة الخفية التي كانت في نصرة الله للمشركين ضد أهل الإيمان بطريق يفوق عالم الأسباب ” ا.هـ

نصر الله – تعالىكفار قريش على أهل الكتاب , ومكّنهم من الحكم والسيطرة على البقعة المباركة لحكمة إلهية ؛ فظنّ صناديد قريش – لجهلهم وقصر نظرهم – إن الله نصرهم وهزم من عاداهم لأنهم أهل الله وسكان حرمه وولاة بيته وبنو إبراهيم كما يزعمون , ولما لهم من فضل في بناية البيت وسقاية الحاج ؛ وما اختارهم الله واصطفاهم لهذا الشرف إلا تكريماً لهم وتأييداً لملتهم ورضاً بصنيعهم ..

وأشاعوا ذلك دعايةً لهم وتثبيتاً لسلطتهم , وغفلوا / أغفلوا عن جرمهم الأعظم وتمردهم الأشد في عبادة الأصنام والإشراك في عبادة الفرد الصمد ؛ والذي يؤولونهُ بطلب التقرب إلى الإله الذي لا يرضى أن يُتخذَ معه شريك .. أو يُجعل بينه وبين عباده وسيط !

وقد جعلوا خدمتهم للبيت مناط التفضيل ومقياس الخيرية , وجعلوها فوق عبادة الله تعالى والجهاد في سبيله .. وقد جاءهم الرد الإلهي يقول :

( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) .

وكذلك الغشاوة إذا أعمت البصيرة ورانت على القلب وإذا طغى حب الريادة والسيادة والمنصب على التجرد للحق ؛ اختلت الموازين واجتمعت المتناقضات وعُظّمَ السفيه .. وسُفّه العاقل الحكيم .. – ولا معنى للكثرة المؤيدة في مثل هذه المواضع -

وقد تطرق البوطي في كتابه الرائع ” فقه السيرة ” إلى الأسرار وراء إختيار مكان انبثاق الدعوة المحمدية بحيث قارن الوضع بين الجزيرة العربية وما يُحيط بها من حضارات فقال :

لم يكن في أهل الجزيرة من الترف والمدنية الفارسية ما يجعلهم يتفننون في خلق وسائل الإنحلال وفلسفة مظاهر الإباحية والإنحطاط الخلقي ووضعها في قوالب الدين , ولم يكن لديهم من الطغيان العسكري الروماني ما يبسطون به أيديهم بالتسلط على أي رقعة من حولهم , ولم يؤتوا من ترف الفلسفة والجدل اليوناني مايصبحون به فريسة للأساطير والخرافات ..

كما تناول التهيئة النفسية للعرب فقال : كانت طبائعهم أشبه ما تكون بالمادة ” الخام ” التي لم تنصهر بعد في أي بوتقة محولة . فقد كانت تتراآى فيها الفطرة الإنسانية السليمة والنزعة القوية إلى الاتجاهات الإنسانية الحميدة كالوفاء والنجدة والكرم والإباء والعفة . إلا أنه كانت تعوزهم المعرفة التي تكتشف لهم الطريق , إذ كانوا يعيشون في ظلمة من الجهالة البسيطة والحالة الفطرية الأولى فكان يغلب عليهم – بسبب ذلك – أن يضلوا الطريق إلى تلك القيم الإنسانية فيقتلوا الأولاد بدافع الشرف والعفة , ويتلفوا الأموال الضرورية بدافع الكرم , ويُثيروا فيما بينهم المعارك بدافع الإباء والنجدة ..

وغيرها من الأسرار الجغرافية والإقتصادية ؛ ومن هنا نعرف بأنّ نصرهم والتمكين لهم لم يأتِ إلا تبعاً لمشيئة الله تعالى بأن يصدع خاتم الأنبياء بآخر الأديان في العرب .. ولو شاء – سبحانه – أن تكون في غيرها من الأمكنة لهيّأ لها الأسباب ..

إلا أنّ الظالم لا يُعجزه أن يُؤوّل فعله تأويلاً فاسداً فحسب ؛ بل إنه يتمادى ليؤول مآلات الأمور والأقدار لما يخدم مصلحته وهواه .. وهو صنيع من أمِن عاجل العقوبة ..
وكثيرةٌ هي الأحداث والمواقف التي يؤولها أصحابها ومن هم على شاكلتهم ومن رزقهم يجري من تحت أيديهم بما يتوافق مع مصالحهم ويزيدهم تمكيناً ووجاهةً .. وخداعاً !
والحصيف هو من يتأمل ويبحث ويفكّر قبل أن يستودع عقله كل ما يسمع , ويشك* في كل شاردة وواردة حتى يعرف يقينها من حيفها .. فيزداد إيماناً وتصديقاً في الأولى ويجلد بحثاً عن الحق في الثانية , وما ذاكَ إلا احتراماً للنعمة التي جُعلت مناط التكريم له على سائر المخلوقات دونه ..

ولنا في التاريخ مرشداً ودليلاً , ومن يقرأ التاريخ يكُن على يقين من أنهُ سيجد تعبيراً وتحليلاً لكُل ما يجري في وقتنا الحاضر ولما هو آت .. وسيعرف الكثير من الحقائق المؤولة والمُغيّبة وفقاً لما يسمونهُ بالمصلحة العامة !

*/ ” نحنُ أحق بالشك من إبراهيم ” محمد بن عبدالله – صلى الله عليه وسلم -

 

التصنيف: مقالة | 4,908 أحاديث »